القوانين العثمانية – OSMANLI KANUNNAMELERİ (ARAPÇA)

القوانين العثمانية(Osmanlı Kanunnameleri – Arapça)(ISBN: 978-625-7091-04-6)٩٧٤ صفحة—-

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة العربية للقوانين العثمانية

إخواني الباحثين كما تعرفون حينما تأسست الجمهورية التركية، بدأ رئيس الجمهورية التركية مصطفى كمال في تغيير النظام القانوني من الشريعة الإسلامية إلى القانون المدني الأوروبي، فأخذ وقلد كثيرا من القوانين الأوروبية في مجال القانون المدني، فأخذ من القانون الألماني والفرنسي وغيرها. إلا أن ذلك لم يتم له، بسبب عدم قبول الشعب التركي المسلم للقانون والنظام العلماني بديلا عن الشريعة الإسلامية.

وكان مما اتخذه سبيلا لكي يحقق مراده أن يحرف النظام القانوني العثماني الشرعي، بإثبات كونه نظاما قانونيا للدولة العثمانية مرجعه السلاطين العثمانيون لا الشريعة الإسلامية، فيسهل عليه بعد ذلك أن يقبل الشعب التركي هذا التغيير. هذا شيء مشهور معروف لدى الباحثين في القانون التركي.

إن ادعاءات وآراء حديثة وغريبة قد ظهرت في عهد ما بعد الجمهورية (التركية)، أوردها مستشرقون أو علماء أتراك في بحوثهم ومؤلفاتهم بشأن القانون في الدولة العثمانية. والمؤسف أن هذه الادعاءات قد عُدَّت مسائل ثابتة وأساسية وصحيحة في الأوساط القانونية والثقافية البعيدة عن فهم القانون في الإسلام. ولم نهتم كثيرا هنا بما كتب في العهد الجمهوري، لأن العلماء في فترة ما قبل الجمهورية، سواء المستشرقون منهم أو المسلمون، لم يقعوا في خطأ فاضح مثل هذا. وسنلاحظ هذه النقطة بوضوح تام بعد اطلاعنا على آراء قانوني هولندي والتي سندرجها في صفحات قادمة. فحوى هذا الادعاء الذي يعدونه مبدأ أساسيا وحقيقة ثابتة: (أن النصوص القانونية المسماة (القانون نامة) التي تضم معظم التشريعات الإدارية والقانونية، قد نظمت نتيجة فهم علماني بعيدة عن دائرة الشريعة، ومستمدة من العرف، ولذلك، فإن مصدر القانون عند العثمانيين غير محدد تحديدا دقيقا، فهو يستمد في بعض المجالات من شرائع الإسلام وفي مجالات أخرى من نظم حضارية وقانونية عديدة وفي مقدمتها البيزنطينية والمغولية، فليس للعثمانيين نظام حقوقي محدد تماما، ولم يكن لديهم محورٌ يرتكز عليه القانون وينطلق منه)!

يجب أن نعلم قبل كل شيء؛ أن أصحاب مثل هذه الادعاءات والآراء – والأتراك منهم خاصة – لا يحملون سوى صفة (مؤرخ) أو (اقتصادي)، وليس لديهم معلومات عميقة أو تفاصيل مستقاة من المصادر الأصلية عن العلوم الإسلامية والشريعة، وما يتعلق بمفرداتها وصفاتها. ورغم أن كل واحد منهم عالم فذ في مجال اختصاصه، لكن ينقصهم الكثير في مجال الشريعة. وهنا يكمن السبب الأول والمهم للوقوع في هذا الرأي الخاطئ. ويوجد سبب آخر؛ هو محاولة العلماء الغربيين – خاصة Goldziher وJ. Shacht اللذان يعتمدان على أفكار جاهزة مسبقة -، تعكير صفو الأفكار ضمن هذا الموضوع. وأيضا، إن الادعاء القائل بأن الدولة العثمانية لم تطبق نظرية الحقوق الإسلامية (الشريعة)، وبأنها طبقت نظاما حقوقيا علمانيا، أو لم يكن لديها نظام حقوقي معين، قد لقي تأييدا من وجهة النظر الرسمية في العهد الجمهوري لتحبيب النظام القانوني العلماني إلى الشعب، فكانت النتيجة أن غير المتعمقين من العلماء الأتراك أو الأجانب تقبلوا هذا الرأي كحقيقة لا جدال فيها. ومن جهة أخرى، المعرفة الناقصة، أو غير الكاملة، بالتطبيقات العثمانية للحقوق ومحتوى (قوانين نامة) لدى بعض العلماء المطلعين على العلوم الإسلامية (الشريعة)، قد سبب على الأقل عرقلة أو تأخير ظهور رأي مضاد سليم. وحسب اعتقادنا؛ فإن هذا البحث – مع نواقصه – يسهم في تجلية الغموض المحيط بهذا الموضوع وإيضاحه.

كيف نشأ فكر تأليف هذا الكتاب؟

في سنوات الستين وتحديدا في سنة 1969م كنت طالبا في الصف الرابع الابتدائي، وفي ذلك الوقت بدأت الحكومة التركية الجمهورية في مشروع ترجمة الموسوعة الإسلامية التي نشرت من قبل جامعة ليدن الهولندية إلى اللغة التركية، فاكتشفوا وشاهدوا الكثير من الأخطاء في قسم التاريخ التركي، ولذلك أضافوا كثيرا من المواد إلى هذه الموسوعة الإسلامية، وأضافوا أيضا بعض المواد الجديدة، خاصة المواد التي تتعلق بالنظام القانوني والتاريخ العثماني. كان غرض الحكومة التركية أن تقرأ الأجيال الجديدة جميع الموسوعة الإسلامية، حتى تلقحهم بالأفكار الفاسدة، وتدخلها إلى أذهان الشبان من الشعب المسلم التركي. في تلك الفترة كانت الكتب تنشر على شكل أجزاء، وليس على شكل مجلدات كما نراها اليوم. فكانوا ينشرون الموسوعة الإسلامية الجديدة باللغة التركية على شكل أجزاء، ويوزعونها في جميع المكاتب الرسمية حتى المكاتب العدلية والمدارس وغيرها.

وقعت بين يدي وأنا في نهاية الصف الرابع بعض الأجزاء من الموسوعة الإسلامية وقرأت ماديتن بجد وتدقيق وتحقيق: مادة الفقه، ومادة قانون نامه. كُتبت مادة الفقه من طرف مستشرق أوروبي، إلا أن فواد كوبرلو -الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للشؤون الخارجية التركية في بداية حكومة عدنان مندرس في بداية سنوات الخمسين- قد ترجم وأضاف كثيرا من المسائل إلى هذه المادة. وقد علق بكتابة جملة خطيرة مهمة على هذه المادة، فحواها “أن الفقه هو بعض القواعد والعادات العربية التي كانت متفرقة ومتقطعة فجمع محمد هذه العادات والعرف ثم سماها فقها!”

قرأت هذه المادة الفاسدة كلها كاملة، وهزتني هذه التخريبات بل التحريفات. ثم قرأت مادة قانون نامة التي كتبها الملحد المشهور عمر لطفي بارقان، ولم تترجم من الموسوعة. وفي هذه المادة ادعى “أن الدولة العثمانية لم تطبق الشريعة الإسلامية، بل السلاطين العثمانيون دونوا بعض أقوالهم وأفعالهم كقوانين ومراسيم وفرمانات، ثم كانوا يأمرون فتنفذ هذه الأوامر، وينهون فيعمل بتلك النواهي! فهذه هي القوانين العثمانية!” كتبت هذه المادة (قانون نامة) فيما لا يقل عن خمسين صفحة بكتابتنا اليوم، وبعد ذلك نشر هذه المادة موسعة في مقدمة كتابه القوانين.

صرخت بعد قراءتي هاتين المادتين وأنا في تلك السنة الرابعة الابتدائية، ودعوت الله مخلصا من قلبي: يا رب هاتان المادتان كذب تماما. وعاهدت الله: إن نصرتني يا رب سأبحث عن القوانين العثمانية وأؤلف كتابا أثبت فيه أن الدولة العثمانية قد طبقت الشريعة الإسلامية بتمامها.

نعم فإن الدولة العثمانية كانت دولة مسلمة طبقت الشريعة الإسلامية بتمامها، لكن قد يوجد بعض الأخطاء في التطبيقات، لكن الحقيقة غير ما تقوله هاتان المادتان، فالمذكور فيهما تأويلات فاسدة ليست بصحيحة.

إخواني الأعزاء، حينما كنت أدعو إلى الله بمثل هذه الكلمة كنت لم أخرج من قريتي بعد إلى قضاء جونكوش، ولا حتى محافظة ديار بكر.

مرت الأيام، وكنت أفكر دائما، كيف أحقق حلمي بأن أكون متخصصا في الفقه الإسلامي وفي تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول المسلمة، وخاصة الدولة العثمانية. درست في مدرسة الأئمة والخطباء، ثم تخرجت من كلية العلوم الإسلامية في جامعة أتاتورك، ودرست في كلية الحقوق وتخرجت منها.

كنت أعرف محافظ غازي عينتاب السيد عبد القادر أقصو، الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للحكومة الداخلية في حكومة طورغوت أوزال، وكنا نعرف أباه مظفر أقصو، التقيته مرة في صيف سنة 1986 في محافظة غازي عنتاب، وسألني عن حالي، فأخبرته بأني أصبحت أستاذ مساعدا سألتحق بجماعة سلجوق في محافظة قونيا. سألني إن كنت أجيد اللغة العثمانية وخطوطها، قلت: نعم منذ كنت في سن الخامسة، علمني أبي جميع الخطوط العثمانية، وكنت أعلمها للطلاب كذلك لكثير من الناس، فأخبرني بأن المستشار وكيل رئيس الوزراء حسن جلال كوزل وهو صديقي الحميم، قرروا مع رئيس الجمهورية طورغوت أوزال فتح الأرشيف العثماني، وأنهم أخذوا مائة مرشح على الأقل للتدريب على قراءة الوثائق العثمانية، إلا أنهم لم يجدوا من هو متخصص في الخطوط العثمانية، فقلت: أنا حاضر، فاتصل بحسن جلال كوزل، وبعد يومين زرت حسن جلال وكيل رئيس الوزراء، وعرفته بنفسي، ولثقته في عبد القادر أكسو لم يقل أي كلمة، بل عينني مستشارا خاصا في الأرشيف العثماني براتب مرتفع جدا ثلاث مرات أرفع من راتبي في الجامعة، مع راتبي في الجامعة حيث كنت عندها أستاذا مساعدا في كلية القانون بجامعة سلجوق. جئت إلى الأرشيف العثماني، لكن الموظفين لم يكونوا يعرفونني، ثم عرفوا بعد ذلك أنني أستطيع قراءة جميع الخطوط.

وبعد ذلك أيضا نشأ العشق لتأليف الكتب في القوانين العثمانية وتطبيقاتها الشرعية. كتبت عريضة أو لائحة بالمشروع إلى وكيل رئيس الوزراء حسن جلال كوزل، وقلت له: علينا أن نؤلف كتابا في القوانين العثمانية. فصادق على مشروعي فورا وأرسل تعليمات إلى المدير العام وأنني سأتفرغ تماما لأمرين: أولا أدرب جميع الموظفين في الأرشيف على قراءة الخطوط العثمانية، وثانيا أقوم بتأليف القوانين العثمانية وتحليلاتها الشرعية.

بفضل الله تعالى تحقق ما كنت أصبو إليه، وأتممت بحمد الله المجلد الأول. قمتُ في سنة كاملة بجمع جميع ما يمكن جمعه من مخطوطات تتعلق بالقوانين العثمانية من جميع المكتبات في تركيا. وبعد ذلك بدأت التأليف، أتممت المجلد الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع.

وعندما بدأت في المجلد الرابع حصل معي أمر عجيب، ثبتني الله بفضله فيه. وذلك عندما دعاني واحد من الشخصيات العلمانية -لا أحب ذكر اسمه، عامله الله بما يستحقه- وكان من أصدقاء مصطفى كمال، حيث كان في زمنه يدبر جريدة علمية، ويشتغل ببحث التاريخ التركي بالوثائق، هو دعاني وكانت شخصية معتبرة ومقبولة عند العسكر، وعند الدولة العميقة، فأجبت دعوته وجئت إليه. فقال: إنه سمع عني وعما كتبت في القوانين العثمانية، وكنت في مرتبة أستاذ مشارك في ذلك الوقت، فطلب مني التالي، قال: أنا أرجو منك شيئا، ولا أتدخل فيما تقوم به. سألني عن عدد المجلدات التي ستكتب فيها كل القوانين، فأجبته تخمينا بأنها ست. الحمد لله أنها وصلت بعد ذلك إلى أحد عشر مجلدا، ونشرت تماما.

أخبرني بأن مصطفى كمال، قد دعا بعض الأساتذة على مأدبة عشاء، منهم فؤاد كوبرولو وعمر لطفي بارقان، وإسماعيل حقى اوزون جارشيللى، وكنت من المدعوين وأنا صغير السن، فخاطبنا مصطفى كمال قائلا: أستاذتي نحن غيرنا النظام الشرعي الذي كان نظاما للقوانين في الدولة العثمانية، وأردنا أن نحبب النظام العلماني إلى شعبنا، لكنهم لم يستحبوا ذلك بعد، فلذلك أرجو منكم أن تكتبوا مشروعا عظيما، تجمعون فيه القوانين العثمانية، وتكتبون لها مقدمة واسعة ومفصلة تثبون فيها بالوثائق أن الدولة العثمانية ليست بدولة الإسلامية ولم تطبق الشريعة الإسلامية، بل هم دونوا القوانين من أقوال وأفعال وأوامر ونواهي السلاطين العثمانية.

ثم قام عمر لطفي بارقان، وبدأ بجمع نماذج من القوانين العثمانية لا تمامها وكتب مقدمة حاول أن يثبت فيها أن الدولة العثمانية لم تطبق الشريعة الإسلامية والقوانين العثمانية لا تمثل الأحكام الشرعية، وأخذ مائة قانون بعضها كامل وبعضها ناقص. قال لي هذا الرجل: إن عمر لطفي بارقان ليس عالما في العلوم الإسلامية، وأنت دكتور أق كوندوز عالم في الفقه، عليك أن تختار بعض القوانين من المجلدات الستة، ثم كتبت مقدمة ثبت فيها أن الدولة العثمانية لم تطبق الشريعة الإسلامية. ومقابل ذلك: نترجم كتابك إلى خمس لغات، وننشرها في العالم، وتكون مشهورا في جميع الجامعات العالمية. وتأخذ أربعمائة ألف ليرة تركية الآن، وتقدم إليك ثلاث شركات كل شركة ثلاثمائة مائة ألف ليرة تركية، أي مجموعها مليون ليرة تركية. وتنتقل في عملك إلى جامعة إسطنبول، وتكون في المستقبل عميدا للكلية ثم رئيسا للجامعة.

أجبته فورا في الجلسة نفسها وقلت له: أيها الشيخ المسن، أنا أقسمت بالله وعاهدت الله بأني سأؤلف كتابا في القوانين العثمانية وأثبت فيها أن الدولة العثمانية دولة مسلمة، وهذا هو الأمد الأقصى لحياتي. ورفضت مقترحه فورا، فأجابني: بأنه إذا جهد رئيس الجمهور لكي ينقلك إلى جامعة إسطنبول في كلية القانون لن يمكنه ذلك، ولن تكون عميدا ولا رئيسا للجامعة، فقلت له: إن الله تعالى يقول: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)، وأنا سأعمل لمرضاة ربي، وأنا لا أريد مناصب الدنيا وإنما مناصب الآخرة ومرضاة الله هي المقصد.

ثم بدأت وكثرت علي البلايا، وصبرت وصبرت، وانسحبت من الأرشيف العثماني، وأتممت هذا التأليف العظيم، وقد بلغ إلى أحد عشر مجلدا، ونشرت بتمامها. وأنا أحمد الله تعالى تماما، بأن وفقني لما عاهدته عليه. ثم أصبحت بفضل الله أستاذا كاملا، وأصبحت عميدا لكلية الاقتصاد بجامعة كوتاهية وأنا الآن ومنذ خمس وعشرين سنة رئيس الجامعة الإسلامية بروتردام.

لم أترك مرضاة الله بسبب مناصب الدنيا ولذلك أريد من الباحثين وأحثهم على قراءة هذا الكتاب، الذي جعلناه على قسمين، الأول: نبين فيه أصول النظام القانوني العثماني مفصلا، ثم في القسم الثاني ننشر قوانين عهد محمد الفاتح ونحلل هذه القوانين بحسب الأحكام الشرعية

أرجو أن تكون هذه الأعمال موافقة لمرضاة الله

ومما أراه مفيدا أن أذكره هو أنني عندما كنت أجمع الوثائق والمخطوطات من مكتبات المخطوطات ومن مكتبات الأرشيف العثماني، عانيت الكثير من المشكلات والأزمات الإدارية، واحتجت بشكل مهم جدا أن أبحث عن كثير من النصوص القانونية في أرشيف الطابو والتحرير في أنقرة، لكن المدير العام لم يسمح لي، ثم زرتُ وكيل رئيس الوزراء، الذي طلب مني بأن نزور رئيس الوزراء في ذلك الوقت طورغود أوزال، ثم دخلت أول مرة مكتب تركت أوزال، فرحب بي ثم قال لي: هل أنت مجنون؟ أنا قلت: سعادة رئيس الوزراء أنا لست مجنونا، أنا عاقل. قال: استمع إلي، كان لي ثلاث مشاريع حينما كنت مستشارا لإدارة التنمية والاقتصاد في الجمهورية، ألا هي: حرية الديانة، وثانيا حرية التجارة والتشبث ثم نشر القوانين العثمانية؛ لماذا؟ لأننا تعلمنا في المدارس جميعا والمكاتب الرسمية أنه لا يوجد نظام قانوني للدولة العثمانية فكيف إذاً مشَّت الدولة العثمانية في مليونين كيلومتر مربع هذه الدولة، بدون نظام، فلذلك لابد أن تنشر القوانين العثمانية، إن الله أحسن إليك هذه الوظيفة.

لكن هل تعرف أنك تغير نظرة الناس إلى الدولة العثمانية في التاريخ والدين والقانون بهذا الكتاب. وسوف تعاني كثيرا من المصائب، بل قد يقومون بنفيك من تركيا وسحب الجنسية التركية منك، فلذلك أريد أن أكتب مقدمة لكتابك حتى يحفظك الله من كثير من المصائب.

ثم أعطى التعليمات للمدير العام لأرشيف الطابو والتحرير، وفتحوا لي جميع الأبواب، وأخذت جميع النصوص القانونية من تلك الإدارة العامة، وصورت من هذا الأرشيف ثلاثة آلاف وستمائة صفحة من الأرشيف، وهذا من فضل الله تعالى علي، حيث إن كثير من الباحثين الذين اشتغلوا بالقوانين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه الأرشيف.

أهمية الكتاب

يحوز هذا الكتاب المسمى بـ(القوانين العثمانية وتحليلاتها الشرعية) على أهمية بالغة، تحتم بالضرورة إعادة النظر في كتابة التاريخ العثماني، الشاغل لأطول شريحة زمنية من التاريخ الإسلامي – التركي تبلغ ستة قرون. ذلك، لأن القانون مرآة صادقة تعكس أوجه حياة الإنسان كافة. ومما لاريب فيه، أن القانون عنصر لا يستغنى عنه في المجتمعات الإنسانية، بل القانون (هو الحياة الإنسانية بذاتها) بتعبير أحد القانونيين. إن (قانون نامة) العثمانية ليست المصدر الأساسي والبكر لدراسة النظام القانوني العثماني فحسب، بل – وفي الوقت نفسه – لتاريخ الدولة العثمانية، وتاريخها الحضاري والعسكري والاقتصادي والديني والاجتماعي. فلا يمكن لمؤرخ القانون أن يكتب تاريخ القانون إذا لم يركز اهتمامه في القانون نامة، ولا يصل الدارس للتاريخ العام إلى الحقيقة إذا لم يضع نصب عينيه القانون نامة التي تنظم أهم المواضيع التأريخية والحياتية، ومؤرخ الاقتصاد لا يسعه أن يكتب تاريخ الاقتصاد العثماني دون النظر في القوانين المالية العثمانية، ومؤرخ الحضارة يعجز عن البحث إذا حرم من الاطلاع على القانون نامة التي تشكل هياكل معنوية للحضارات التأريخية، ومؤرخ المذاهب الفكرية يعجز عن تفسير الأحداث إن لم يعر أهمية للقانون نامة التي هي مرآة عاكسة للحوادث التأريخية، ورجل الدولة والسياسي لا يتصور أن يرسم سياسة اجتماعية جادة ومطمئنة بغير دراية عميقة بالسلطان سليمان القانوني الذي يشغل تمثاله موقعا ضمن الثلاثة الأول من 21 رجلا من رجال القانون في العالم، نصبت تماثيلهم في البرلمان الأمريكي، وبغير دراية جادة بالقانون نامة التي شرعها. باختصار: لا حاضر لمن ليس له ماض، ومن المحال إذن، أن يغترب المسلم التركي عن القانون نامة التي تعكس ماضي الشعب التركي.

ولا تنحصر الفائدة المرجوة من القانون نامة في الغايات الرئيسية المذكورة آنفا، بل إنها تلقي الأضواء الكاشفة أيضًا على مشاكل الإنسان المعاصر، والمثقف، ورجل العلم. وفي الحقيقة إننا نجد جوابا شافيا عن كثير من المسائل التي تهم التركي المسلم، بل وعموم المسلمين، وفي طي القانون نامة. كما أن نصوص القانون نامة تشكل ردا مفحما على كثير من التهم الموجهة إلى الإسلام، وإلى أمتنا وشعبنا. ففي الوقت الذي تحوي قوانين السلطان محمد الفاتح على مسألة (قتل الأخوة) التي نعدها كمسلمين إثما وخطيئة، ويضرب الغرب على عرضها كنموذج للوحشية والدموية، فهي تحوي (في الجانب المشرق) قانون التشكيلات الإدارية بشأن تنظيم دولة عظمى (الذي صدر في عصر كان مفهوم الدولة عند الأوروبيين فجا ومجرد إرهاصات) المتضمن قواعد يمكن اتخاذها نموذجا حتى في عصرنا الحاضر، بل واتخذ بعضها أساساً معمولا به في أمريكا، وتسعى روسيا اليوم لتطبيقها، وتحوي أقدم قانون لتنظيم ملكية الأرض (الطابو) في العالم، انبثق من العقل الإسلامي، والذهنية التركية المسلمة. ويحوي على أقدم قانون في العالم ينظم الجمارك وأسس الصادرات والواردات (التجارة الخارجية)، أصدره أجدادنا المسلمون، ويحوي أيضًا على أقدم قانون للمعادن والمناجم يحدد ساعات العمل بثمان ساعات ويبين قواعد العمل بالتناوب ويرتب التدابير المتعلقة بحماية العمال في المناجم من الأضرار (قواعد الأمن الصناعي) وغير ذلك من الأمور.

زيادة على ما ذكرنا، فإننا نعجز عن فهم مسائل، يراد تحريفها عن الحقيقة، بغير الرجوع إلى القانون نامة. فمثلا: الدولة العثمانية ليست سلطة استبدادية قامت ودامت على أسنة الحراب، بل دولة قانون وحقوق على درجة تفوق كثيرا من الدول المعاصرة، وأيضا؛ ان الدولة العثمانية ارتضت وطبقت الشريعة الإسلامية كنظام قانوني للدولة، على خلاف الادعاءات غير المستندة إلى الوثائق أو المصادر الأصلية. كذلك، لا يمكن وسم النظام القانوني العثماني بسمة العلمانية، إذ أن القانون نامة التي تحوي الأحكام العسكرية أو بعض الأحكام الجزائية، أو بعض الأسس في نظام الضريبة، أو الأحكام الإدارية، قد شرعت بموجب السلطة أو الصلاحية المحدودة التي تخولها الشريعة الإسلامية لأولي الأمر، ولا تحتوي على أحكام تخالف الشريعة، وإن الدولة العثمانية – فيما عدا ما ذكرناه آنفا – قد اتخذت من كتب الفقه قوانين أساسية في المجالات كافة، وإن قانون نامة العثماني تعد نموذجا عمليا ومثاليا لتطبيق الشريعة الإسلامية كنظام قانوني رسمي للدولة، وإن الدولة العثمانية لم تقرر حريات وحقوق المسلمين فحسب، بل أقرت ورعت حريات وحقوق الأقليات غير المسلمة كذلك، وإن إقرار الحريات والحقوق لم تبدأ بالأوامر السلطانية المسماة بـ(القوانين العثمانية وتحليلاتها الشرعية).

هذا الكتاب قد بدأت ترجمته بجهود عوني لطفي أوغلي منذ زمن بعيد ولكن الترجمة قد تمت بجهود مؤلفه الفقير في سنة 2020. وإني أشكر الشيخ جلال عامر من أساتذة الجامعة الإسلامية الذى صحح الكتاب من الباب الى المحراب بدقة و تحقيق.

الأستاذ د. أحمد آق كوندوز، إسطنبول، 2021

القوانين العثمانية – OSMANLI KANUNNAMELERİ (ARAPÇA) YABANCI DİLDE YAYINLAR Osmanlı Araştırmaları Vakfı احمد اقكوندوز (osmanlisahafi.com)

Comments are closed.